الأرض
الثلاثاء 18 يونيو 2024 مـ 06:03 صـ 12 ذو الحجة 1445 هـ
موقع الأرض
رئيس مجلس الإدارةخالد سيفرئيس التحريرمحمود البرغوثيالمدير العاممحمد صبحي

الهوية صعيدي .. والعمل طباخ

الشيف علاء: دبلوم زراعة .. وخدمت 3 ملوك وسفيرين .. وشرفت بخدمة عمال الزراعة ”الشقيانين”

لم يكن يعرف أن صاحب الصنعة الواحدة، يمكن أن يفوز بسبعة حظوظ، أولها أن أصبح "شيف" عمومي يُشار إليه بأيدي الأمراء والسفراء، وآخرها العمل بعد سن الإحالة إلى التقاعد، بمهنة يفخر بها الكثيرون من خريجي "السياحة والفنادق".

تخرج الشيف علاء الدين قطب من الثانوية الزراعية بسمالوط عام 1984، حاصلا على المركز الثاني، لينال شهادة تقدير ومكافأة مالية 25 جنيها مصريا، وذلك دون أي طموح في الالتحاق بكتيبة الزراعيين، "عشما في الرزق الواسع"، حسبما رأى آنذاك.

ولأن عيون المصريين في جيله والأجيال التي سبقته، كانت مشرعة على حلم يتعلق بمراكب السفر عبر البحار إلى أوروبا، أو برا وجوا نحو دول الخليج، التحق الشاب علاء قطب (21 عاما آنذاك)، إلى العراق، فور إنهائه الخدمة العسكرية بشهادة "قدوة حسنة"، وكان ذلك في نهاية عام 1986.

ومثل معظم شباب جيله، حل الشاب الصعيدي ضيفا على أهل بلدته "منقطين- سمالوط - المنيا"، في شارع السعدون بالعاصمة بغداد، حيث التحق بالعمل في مطبخ أحد الفنادق الشهيرة هناك (قصر بابل)، بوظيفة "غاسل صحون"، بيومية قدرها 6 دنانير عراقية.

4 أعوام من الدأب والعمل المتواصل في مطبخ الفندق، تدرج خلالها في درجات الطباخة، حتى أكمل تعليمه على أيدي طباخين عراقيين كرديين، انضما معا إلى الجيش الشعبي العراقي في حرب الخليج، وسمع علاء قطب خبر وفاتهما ضمن من ماتوا خلال المعارك.

غادر علاء بغداد حاملا معه شهادة "شيف" غير منقوصة مهنيا، وإن كانت ليست ممهورة بخاتم رسمي من جهة العمل، كونه ترك الفندق أثناء هوجة احتلال العراق للكويت.

استقبلت قرية منقطين ابنها البار ببنت الحلال، التي خطبها، ثم تزوجها، ولم تستمر فترة العسل سوى شهرين، حيث لبى نداء "الفيزا"، ليغادر إلى السعودية مع أول فرصة سنحت له، ليصل رحاله إلى تبوك شمالي السعودية، لينتقل إلى الطائف للعمل بمهنة شيف في "مطبخ الهبل"، لتكون محطته الثالثة محافظة خميس مشيط - جنوبي السعودية، حيث عمل في مطبخ يملكه والد الثلاثي: محمد، إبراهيم، وسالم السويد، وثلاثتهم مثلوا المنتخب الوطني السعودي لكرة القدم.

دمغ المشاهير السيرة الذاتية للشيف علاء الدين قطب، حيث عاد إلى مصر في إجازة قصيرة، ثم تدعوه نداهة الغربة ليعود إلى العاصمة السعودية، متنقلا بمهنة الطباخة بين عدد من المطاعم، وحملات الحج، حتى ذاع صيته ليصل إلى سمع موظف كبير في السفارة المصرية، طلبه للعمل في بيت السفير محمد وفيق لمدة ستة أشهر فقط.

دقت طبول السعادة دونما موعد، حيث أسعد أحد مستشاري السفارة المصرية الشيف علاء بخبر ترشحه للعمل طباخا في الديوان الملكي السعودي، ليفوز بخدمة الملك فهد وأبنائه، ثم الملك عبد الله وأبنائه، والملك سلمان وأبنائه، حينما كان الملك سلمان أميرًا لمنطقة الرياض.

لم ينس الصعيدي المنياوي علاء الدين قطب مزحة للملك سلمان، حينما أخبره بأن مصر تضع الشمس والقمر في أيدي أبنائها، ورغم ذلك يغادرونها للعمل في الغربة"، مؤكدا أن الملك سلمان كان محبا للمصريين، "أما ولي العهد الأمير محمد بن سلمان فكان صغيرا، ولذا لم يتذكره كطباخ عمل في خدمتهم ثمانية أعوام".

المحطة التالية لخدمة ملوك السعودية وأبنائهم، كانت إلى أزربيجان للمساهمة في افتتاح فندق على بحر قزوين، ثم انتقلت مع الشركة المالكة إلى أوكرانيا وموسكو لافتتاح فنادق عالمية لها، ثم عدت إلى مصر، وكنت خلال هذه الرحلات الطويلة كان علاء قد تزوج 6 نساء، "توفت إحداهن، وسرحتُ أربعة منهم، وظلت السادسة ترافقني حتى الآن، وأعود منهن جميعا 11 ابنا".

لم تتوقف رحلة الشيف العمومي الصعيدي عند هذا الحد، بل أفادته دفاتره القديمة، فحصل على أوراق عمله السابق في فروع متاجر "بندة العزيزية" المملوكة لشركة صافولا السعودية، وتوجه إلى مقر استثمارها الرئيسي في منطقة غرب غرب المنيا، "حيث علمت أنها تزرع نحو 110 ألف فدان بنجر وذرة، وبمجرد فتح ملفي، عينوني طباخا عموميا في المطبخ الرئيسي للشركة، وسويتُ معاشي بعد ثلاثة أعوام ونصف العام، وكرموني بمستحقات نهاية الخدمة".

ثلاث محطات قصيرة سريعة لم يجنح علاء لأي من مرافئها، وكان قد قرر الخلود إلى الراحة، على طريقة "استراحة المحاربين"، لكن أحد زملاء "صافولا" كان قد تذكره، حين انتقل الأول، واسمه المهندس محمد حسام للعمل في شركة الهاشمية لاستصلاح الأراضي وزراعتها في منطقة الوادي الفارغ، بوادي النطرون (الصحراء الغربية لمصر).

الطباخ ذو السمت المريح والوجه البشوش والبسمة الفواحة، لم يتوان في إجابة المهندس محمد حسام بالموافقة على العمل في مطبخ "الهاشمية"، وهناك ساعد الإدارة الهندسية في الشركة على تطوير المطبخ العمومي، مخططا للتصميم وتقسيم المخازن وتنظيمها، وساهم في رسم وتصور المطعم العام للشركة العملاقة، التي تستثمر في زراعة 9 آلاف فدان، آلت إليها ملكيتها بعد شرائها من "أمريكانا"، لترفع مؤشر الاستثمارات الإماراتية الزراعية في مصر.

لم يخف الشيف علاء سعادته الغامرة ببلوغه محطة "الهاشمية"، بعد اقترابه من عمر الستين عاما، مؤكدا أن خدمة الملوك أورثته تواضعهم في التعامل مع الأقربين، وسلحته بالعزة لخدمة أطياف متنوعة، أفضلهم عنده: العمال الزراعيين "الشقيانين".